حسن حسني عبد الوهاب
138
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
قمع الثورة ، دعا الناس إلى نفسه فأجابوا مسرعين ، فاستقلّ بالإمارة ودخل عاصمة القيروان وقد أخلاها آخر وآل لبني أمية 2 - جمادى الأولى سنة 127 ه - وكان عبد الرحمن هذا مخلصا في حبّ البلاد لما كان من مآثر جدّه عقبة فيها ومفاخر آبائه الغزاة المغاوير . وقد استعان عبد الرحمن على القيام بهذا الأمر الكبير بذلك الشاب الإفريقي الذي عرف بأدبه وبعد غوره في السياسة والتجربة ( خالد بن ربيعة ) فاختصّه لتدبير شؤون ولايته ، واستكفى به في مهامّ أمره . ولأول امتلاكه لزمام الإمارة رغب عبد الرحمن في مراسلة الخليفة الأموي مروان بن محمد الجعدي ، لإشعاره بالطاعة والتماس إقراره بالثغر الإفريقي 3 ، وقد تولى تبليغ الرسالة عنه مع ما يصحبها من الهدايا - جوار حسان وبزاة ، وكلاب صيد وجملة طرائف مغربية - كاتب سرّه خالد بن ربيعة ، فلما وصل دمشق تلقاه زميله القديم في مزاولة العلم عبد الحميد الكاتب بكل حفاوة وقرّب من الخليفة منزلته ، وأتمّ رغبته . قال البلاذري : " وكان بين خالد الإفريقي وبين عبد الحميد بن يحيى [ الكاتب ] مودة ومكاتبة ، فأقرّ الخليفة مروان عبد الرحمن على الثغر المغربي " . ورجع خالد إلى مخدومه يحمل سجلّ التقليد والخلع البيض - شعار بني أمية - والهدايا المناسبة ، ودخل بها القيروان في يوم مشهود سنة 129 ه ( 747 م ) . وبفضل هذا الاعتراف تسنّى لعبد الرحمن بن حبيب الفهري أن يكون أول مستقل ينفرد بأمر المغرب 4 من أقصاه إلى أدناه ، وأن يخمد نار الثورة التي أضرمها المشاغبون ، وأن يسير في البلاد سيرة العدل والتدبير ، ويصلح ما انثلم من المعالم وما تخرّب من الحصون ، ثم إنه حمل السكّان على غزو البحر بمهاجمة جزائر البحر المتوسط كمالطة وصقلية وسردانية وبلاد إفرنجة . قال ابن العذاري ( البيان 1 : 49 ) : " غزا عبد الرحمن بن حبيب صقلية ثم بعث إلى سردانية فقاتل بها حتى صالحه أهلها ، وبعث إلى إفرنجة فأتى بسبيها ، ودوّخ المغرب كلّه ، وأذلّ من به من القبائل ، ولم يهزم له عسكر ولا ردّت له راية " .